الخطيب البغدادي
700
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
ذكر بعض ما حكي عَنِ الحلاج من الحيل أَخْبَرَنَا عَلِيّ بن أَبِي عَلِيّ الْمُعَدَّل ، عَنْ أَبِي الْحَسَن أَحْمَد بن يوسف الأزرق ، قَالَ : حَدَّثَنِي غير واحد من الثقات من أصحابنا أن الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاج كَانَ قد أنفذ أحد أصحابه إِلَى بلد من بلدان الجبل ، ووافقه عَلَى حيلة يعملها ، فخرج الرجل فأقام عندهم سنين يظهر النسك والعبادة ، وإقراء القرآن والصوم ، فغلب عَلَى البلد حتى إذا علم أَنَّهُ قد تمكن أظهر أَنَّهُ قد عمي ، فكان يقاد إِلَى مسجده ، ويتعامى عَلَى كل أحد شهورا ، ثم أظهر أَنَّهُ قد زمن ، فكان يحبو أو يحمل إِلَى المسجد حتى مضت سنة عَلَى ذلك ، وتقرر فِي النفوس زمانته وعماه ، فَقَالَ لهم بعد ذلك : إني رأيت فِي النوم كأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِي : إِنَّهُ يطرق هذا البلد عبد لله صالح مجاب الدعوة ، تكون عافيتك عَلَى يده وبدعائه ، فاطلبوا لِي كل من يجتاز من الفقراء ، أو من الصوفية ، فلعل اللَّه أن يفرج عني عَلَى يد ذلك العبد وبدعائه ، كما وعدني رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتعلقت النفوس إِلَى ورود العبد الصالح ، وتطلعته القلوب ، ومضى الأجل الذي كَانَ بينه وبين الحلاج ، فقدم البلد فلبس الثياب الصوف الرقاق ، وتفرد فِي الجامع بالدعاء والصلاة ، وتنبهوا عَلَى خبره ، فقالوا للأعمى ، فَقَالَ : احملوني إليه ، فلما حصل عنده وعلم أَنَّهُ الحلاج . قَالَ لَهُ : يا عَبْد اللَّهِ إني رأيت فِي المنام كيت وكيت ، فتدعو اللَّه لِي ، فَقَالَ : ومن أنا وما محلي . فما زال به حتى دعى لَهُ ، ثم مسح يده عليه ، فقام المتزامن صحيحا مبصرا ! فانقلب البلد ، وكثر الناس عَلَى الحلاج فتركهم وخرج من البلد ، وأقام المتعامي المتزامن فيه شهورا . ثم قَالَ لهم : إن من حق نعمة اللَّه عندي ، ورده جوارحي عَلِيّ أن أنفرد بالعبادة انفرادا أكثر من هذا ، وأن يكون مقامي فِي الثغر ، وقد عملت عَلَى الخروج إِلَى طرسوس ، فمن كانت لَهُ حاجة تحملتها ، وإلا فأنا أستودعكم اللَّه ، قَالَ :